يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
المدير العام
سيف محمود الشريف
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 14992 الثلاثاء 24 صفر 1431هـ الموافق 9 شباط 2010
فن وثقافة
Bookmark and Share
عين جديدة لقراءة درويش خليل قنديل

 

 
رحل الشاعر محمود درويش وبرحيله على الأغلب سوف تذهب العين القارئة أو الناقدة لمُجمل الانجاز الشعري الذي قدمه درويش ، الى تجديد فعل مشاهدته من جديد ، وسوف تكون القصائد التي خلفها درويش كتركة للشعر العربي والعالمي ، قادرة على اقتياد القراءة الجديدة لدرويش نحو تخوم كانت مواربة ومتخفية بانتظار موته واكتمال تجربته الكتابية عموما.

ولعل أولى هذه الاكتشافات هي ما يُمكن أن يخص الراحل درويش تحديدا. بمعنى تلك السلطة الشعرية التي قرر درويش الانتماء اليها منذ تشكلت في رأسه جملته الشعرية الاولى. فمحمود درويش وبخلاف الكم الهائل للتجارب الشعرية العربية منذ مطلع قرننا الفائت وحتى وقتنا الحالي قرر الانتماء الكلي كجسد وكطاقة روحية للشعر ، معتبرا الشعر خياره الوجودي الوحيد ، وهو الانهماك الاول والاخير له ، والذي لن ينشغل الا به. ولهذا لم يكن من الممكن أن يطرح اسم محمود درويش دون أن يقترن هذا الاسم بالشعر والشاعر.

إنّ هذه الخلوصية التي ارتهن فيها درويش الى الشعر ، هي التي جعلت الشعر ذاته يمنح رؤاه النادرة لدرويش ولقصائد درويش. وهذا ما يؤكد أن الشعراء الذين يتعاملون مع قدرهم الشعري والكتابي على طريقة الانتساب الجامعي ، والزيارات المتقطعة لروحهم الشعرية لن يحدثوا كشعراء لهم ذاك الطعم النادر الذي منحه درويش لشعره وقصائده.

سيكون على العين الناقدة والقارئة لتجربة درويش أن ترصد الشاب الذي أدرك في وقت مبكر من سني حياته ، حجم العداء الحضاري الذي تكنه اسرائيل لكيانه الانساني والفلسطيني ، القائم على الجب والالغاء والاحلال.

ولهذا ظلت حركته في الجغرافيا الفلسطينية المحتلة ، قابلة للتبدل والسعي نحو فضاءات عربية وعالمية كي يقوى على انتاج القصيدة المشبعة بطعم التحضر ، الذي من الممكن أن يجعل العالم يتريث قليلا ويبدأ بالانصات لقصيدته. ولهذا كان لدرويش اللجوء الاول للقاهرة ومن ثم بيروت وتونس وباريس واخيرا عمان ورام الله. انّ هذا الخروج المبكر لدرويش قد منحه القدرة على توسيع مساحة المشاهدة لعدوه وقاتله ونافيه. وتعميق وعيه بحجم التناقض بين القاتل وضحيته ، وبالتالي هذا ما جعل قصيدته في حل من القصيدة المنبرية المناهضة للاحتلال بافقها المحلي الضيق الذي لن يذهب في جماهيريته الى أبعد من المكان المحتل. وربما هذا أيضا ما جعل محمود درويش ينتفض ذات امسية وبحديته المعروفة أمام الجمهور الذي يطالبه كشاعر مقاومة بقراءة قصائد البدايات قائلا :"ارحمونا من هذا الحب".

وعلى العين الناقدة أن ترصد في الغياب الفيزيائي لجسد درويش تلك الروح الوثابة التي جعلت درويش يذهب في هجسه الشعري الملح الى محتل ارضه كي يعاقبه بحضارة الوعي والشعر معا الى الدرجة التي جعلت الصهيوني شارون يحسد الشعب الفلسطيني على انجابه لشاعر مثل درويش يمتلك مثل هذه الشعريته الجارحة.

على تلك العين أن تنتبه الى الجرأة التي تحلى بها درويش حين ذهب بقصيدته وبمضمونها الشعري ، الى الانخراط في البُنية التوراتية المُنتجة لشخصية الاسرائيلي ، الى الدرجة التي اتهم من قبل دهماء الكتابة النقدية بتعميم الثقافة التوراتية.

سيكون على العين القارئة والناقدة لتجربة الشاعر درويش أن تعاود قراءة الشاعر الذي زهد في كل شيء الا بالشعر وبقي فابضا على جمره اللاذع حتى آخر وقاحات التجلط والرش الوراثي للكوليسترول وخيانة الجسد.

khaleilq@yahoo.com

Date : 15-08-2008


أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

الاسم:  
عنوان التعليق :  
التعليق :  
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team